انقسامات الناتو: تباين المواقف الأوروبية بشأن الصراع الإيراني
شهدت الساحة الدولية مؤخرًا بروز انقسامات الناتو الأوروبية حيال الصراع المتزايد مع إيران. تجلى هذا التباين في رفض دول أوروبية رئيسية، مثل فرنسا وإيطاليا، تقديم الدعم لبعض العمليات العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة وإسرائيل. في الوقت نفسه، وجه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب انتقادات شديدة للشركاء الأوروبيين في الحلف، متهمًا إياهم بعدم التعاون في الجهود المستمرة ضد إيران. هذه التطورات تشير إلى عمق الخلافات القائمة بين واشنطن وحلفائها التقليديين.
خلافات أمريكية أوروبية حول التزامات الحلف
تصاعدت حدة التوترات بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين بخصوص العمليات ضد إيران. في مارس الماضي، وصف ترامب شركاء حلف شمال الأطلسي بـ “الجبن” لعدم تقديمهم الدعم الكافي لواشنطن. وأشار ترامب، عبر منصة تروث سوشال، إلى أن فرنسا منعت الطائرات الأمريكية المحملة بالإمدادات العسكرية المتجهة إلى إسرائيل من استخدام مجالها الجوي. وأكد أن الولايات المتحدة لن تنسى هذا الموقف، مما يعكس عدم تعاون باريس في مواجهة القيادة الإيرانية.
ردود الفعل الفرنسية على الانتقادات الأمريكية
أعربت الرئاسة الفرنسية عن دهشتها من تصريحات ترامب، مؤكدة أن قرارها يتماشى مع سياستها الثابتة منذ بدء النزاع. وذكرت مصادر دبلوماسية أن هذا الرفض الفرنسي، الذي وقع نهاية الأسبوع الماضي، يُعد الأول منذ اندلاع الصراع في الثامن والعشرين من فبراير. كما أوضحت المصادر أن إسرائيل كانت تسعى لاستخدام المجال الجوي الفرنسي لنقل أسلحة أمريكية ضمن عملياتها العسكرية. هذا الموقف يعكس تمسك فرنسا بسيادتها واستقلال قرارها.
الموقف الإيطالي والإسباني الرافض
لم يقتصر الرفض على فرنسا؛ فقد امتنعت إيطاليا الأسبوع الماضي عن السماح لطائرات عسكرية أمريكية بالهبوط في قاعدة سيجونيلا الجوية بصقلية قبل توجهها إلى الشرق الأوسط. جاء هذا الرفض رغم تخصيص بعض القاذفات الأمريكية للهبوط في القاعدة الشرقية بصقلية. ونفى وزير الدفاع الإيطالي، جويدو كروزيتو، وجود أي توترات مع واشنطن، موضحًا أن القواعد الجوية الأمريكية عاملة. لكنه أكد أن استخدامها لأغراض غير متفق عليها مسبقًا يتطلب إذنًا خاصًا من الحكومة الإيطالية.
في سياق مشابه، دافعت إسبانيا عن قرارها بإغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الأمريكية المشاركة في هجمات ضد إيران. أصبح رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، من أبرز منتقدي العمليات الأمريكية والإسرائيلية. وأكدت وزيرة الدفاع الإسبانية، مارغريتا روبليس، أن مدريد لن تسمح باستخدام قواعدها إلا لأغراض الدفاع الجماعي عن شركاء الناتو. وأضافت أن حظر استخدام مجالها الجوي للطائرات الأمريكية المشاركة في الصراع مع إيران سارٍ منذ بداية الحرب، مما يعكس موقف إسبانيا المحايد.
دعوات أمريكية لتعاون أوروبي
من جانبها، أبدت الولايات المتحدة استياءها من هذا الموقف الأوروبي. وقال وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، في مقابلة تلفزيونية إن مدريد لا تشعر بالقلق من أي أعمال انتقامية. وتساءل عن إمكانية خوف دولة لمجرد التزامها بالقانون الدولي والسلام العالمي وميثاق الأمم المتحدة. وفي منشور عبر منصة تروث سوشال، دعا الرئيس الأمريكي السابق جميع الدول التي تواجه نقصًا في وقود الطائرات بسبب إغلاق مضيق هرمز، مثل بريطانيا، إلى شراء الوقود من الولايات المتحدة والتحلي بالشجاعة للسيطرة على المضيق، مما يؤكد الضغط الأمريكي على الحلفاء.
تساؤلات حول مستقبل تحالف الناتو
تبرز هذه التطورات الجارية تشكيل اصطفافات جديدة وتباينات عميقة ضمن حلف الناتو، حيث تختلف مصالح الدول الأوروبية عن الرؤية الأمريكية للصراعات في الشرق الأوسط. هذه الانقسامات تضع تحديات كبيرة أمام وحدة القرار الجماعي، وتثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل التعاون الأمني والدفاعي بين الحلفاء التقليديين. هل تمثل هذه التباينات مجرد خلافات عابرة، أم أنها مؤشر على تحولات استراتيجية كبرى قد تُعيد تشكيل خريطة التحالفات الدولية في العقود القادمة؟ يبقى هذا التساؤل مفتوحًا أمام انقسامات الناتو المحتملة ومستقبل العلاقات الدولية المعقدة.





