تاريخ صناعة الورد الطائفي في جبال الهدا
تعد مزارع الطائف مهدا لأقدم الصناعات العطرية في المنطقة حيث يمتد تاريخ صناعة الورد الطائفي لأكثر من مئة عام. انتقلت أسرار هذه الحرفة عبر الأجيال داخل عائلة القرشي التي حافظت على طرق التقطير التقليدية. بدأت الحكاية من بيع الزهور البسيطة للحجاج حتى وصلت إلى مرحلة الإنتاج الاحترافي. تعتمد هذه المهنة على تقنيات موروثة ساعدت في تكوين هوية المنتج العريق وصموده أمام التغيرات الزمنية المتلاحقة في الأسواق.
بداية فكرة تقطير الورد الطائفي
انطلقت القصة حين كان الجد يبيع محصوله من الزهور لزوار مكة المكرمة. لفتت جودة الورد انتباه أحد الحجاج القادمين من الهند الذي اقترح فكرة التقطير. تعهد الحاج بإحضار وعاء نحاسي مخصص لهذه العملية في العام التالي. وفى الرجل بوعده وسلم الجد قدرا نحاسيا لا يزال موجودا حتى الوقت الحالي. بدأ الجد بتوظيف هذا القدر في غلي الورد للحصول على الماء العطري قبل التوصل لنتائج أخرى.
التحول نحو استخلاص الدهن العطري
واجه المزارعون في الماضي صعوبات تتعلق بسلامة المحصول وفترة بقائه. ساهم توظيف القدر النحاسي في ابتكار طرق جديدة لتطوير المنتجات العطرية. نجح الجد في استخراج دهن الورد للمرة الأولى مما شكل تحولا جذريا في قيمة المنتج. تعتبر عائلة القرشي من المجموعات الرائدة التي زاولت طبخ الورد في الوادي الأخضر بين جبال الهدا. كان سعر عبوة ماء الورد في تلك الحقبة يصل إلى ريال ونصف تقريبا.
القيمة الاقتصادية والتميز الجغرافي
تطورت الصناعة بمرور الوقت لتكتسب ثقلا اقتصاديا في المنطقة. بيعت أول كمية من دهن الورد بسعر مرتفع نظرا لصعوبة استخراجه وجودته الفائقة. يوضح المزارعون أن العمل يبدأ مع ساعات الفجر الأولى لجمع الزهور قبل تبخر زيوتها. تنقل المحاصيل إلى المعامل لتبدأ عملية الطبخ داخل الأواني النحاسية القديمة. تمتلك مواقع الهدا والشفا خصائص بيئية تجعل وردها يتفوق على غيره في المواقع الأخرى بحسب تقارير موسوعة الخليج العربي.
الحفاظ على الموروث العطري
يستمر مزارعو الطائف في تحسين أدواتهم مع التمسك بالقيم التقليدية التي ميزت منتجهم عبر العقود. تحول الورد من زراعة محلية إلى منتج يغطي احتياجات الأسواق المحلية والدولية. تعكس هذه الاستمرارية الارتباط الوثيق بين الإنسان والأرض في تلك المرتفعات. تمثل الصناعة اليوم رافدا سياحيا واقتصاديا يبرز مكانة المنطقة. تظل القدور النحاسية شاهدة على مراحل تطور المهنة من البدايات البسيطة إلى الاحترافية العالية.
تجسد رحلة الورد الطائفي قصة كفاح بدأت بوعيد حاج وانتهت بمنتج عطر يطوف المدن. ساعد الالتزام بالطرق التقليدية في بقاء هذه الصناعة رمزا ثقافيا يتجاوز مجرد كونه سلعة تجارية. يبقى التساؤل حول مدى قدرة الأجيال القادمة على صون هذه الأسرار المهنية في ظل التوسع التقني المتسارع الذي يشهده قطاع العطور؟





